الشيخ الطوسي
429
التبيان في تفسير القرآن
ذلك للانسان الا في حال التقية ، لأنه لا دليل يؤمن من الخطأ عليه ، فعلى هذا يلزمه في النبي ان يحسن منه من غير تقية ، لكونه معصوما لا يكذب في اخباره ولا خلاف بين أهل العدل أنه لا يجوز اظهار كلمة الكفر إلا مع التعريض بأن ينوي بقلبه ما يخرجه عن كونه كاذبا ، فأما على وجه الاخبار ، فلا يجوز أصلا لأنه قادر على التعريض الذي يخرج به عن كونه كاذبا . قوله تعالى : ( ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين ( 107 ) أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون ( 108 ) لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ) ( 109 ) ثلاث آيات بلا خلاف . قوله " ذلك " إشارة إلى ما تقدم ذكره من العذاب العظيم . أخبر الله تعالى ان ذلك العذاب العظيم إنما أعده لهم ، لأنهم آثروا الحياة الدنيا ، والتلذذ فيها ، والركون إليها على الآخرة ، والمعنى انهم فعلوا ما فعلوه للدنيا طلبا لها دون طلب الآخرة . والعمل يجب أن يكون طلبا للآخرة ، أو للدنيا والآخرة . فأما أن يكون لمجرد الدنيا دون الآخرة فلا يجوز ، لأنه إذا طلب الدنيا ترك الواجب من الطاعات لا محالة ، وكذلك لا ينبغي أن يختار المباح على النافلة لان النافلة طاعة لله . والمباح ليس بطاعة له . ثم أخبر تعالى " أن الله لا يهدي القوم الكافرين " ومعناه أحد شيئين : أحدهما - إنه لا يهديهم إلى طريق الجنة والثواب ، لكفرهم . الثاني - إنه لا يحكم بهدايتهم لكونهم كفارا . وأما نصب الدلالة ، فقد هدى الله جميع المكلفين ، كما قال " وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى " ( 1 ) وقيل : إنهم لم يهتدوا بتلك الأدلة ، فكأنها لم تكن نصبت لهم ، ونصبت
--> ( 1 ) سورة حم السجدة ( فصلت ) آية 17